” معجم البلدان ” كتاب جمع اللغة والتاريخ والجغرافيا معا .

0
323

بدأ ياقوت الحموي في تحرير معجم البلدان عام 612 هـ عندما كان بمرو ، ثم ما لبث أن انصرف عنه تحت وطأة هجمات جنكيز خان ، ولما استقرَّ به المقام في الموصل عاد إليه ، فأتمه عام 621هـ، وقد تميَّز ياقوت بعنايته بضبط أكثر ما أورده من الأعلام الجغرافية ، فأعان ذلك على صحة قراءتها ، ومن هنا غدا مرجعه من أوثق المصادر في هذا المضمار .

 

أما عن سبب تأليفه لهذا المعجم أنه كان ذا يوم في مجلس صاحب مرو وأميرها ، وذُكِرَتْ كلمة (حباشة)، فذكر البعض أنها بالفتح ، وذكرها آخرون بالضم ، وكان هذا رأي ياقوت ، وأراد أن يتثبت من صحة مقولته ، فانطلق يبحث عنها بين الكتب ، فكان ذلك حافزًا له إلى هذا العمل الموسوعي العظيم . وتظهر أهمية هذا الكتاب في عرضه لآراء ونظريات العلماء الذين يذكرهم بصورة واضحة ومنهجية سليمة ، مع كون هذه النظريات متناقضة أو مختلفة فيما بينها .

 

أما عن منهجه فيعد منهجًا فريدا ؛ لأنه جمع بين اللغة والتاريخ والجغرافيا ، ففي كل فقرة مخصصة لاسم مكان يقوم ياقوت أولاً بتثبيت شكل كتابته ولفظه ، واشتقاق الكلمة ، وأشكال النسبة التي قد تُشتق منها -فقه اللغة- وبعدئذ يتوصَّل إلى تفاصيل موضع المكان : كدرجة عرضه ، وطوله ، ويذكر عند الكلام عن منطقة واسعة، خصائص طبيعتها ، ومواردها الطبيعية ، وعمرانها بالناس ، وموجزًا لأهم الأحداث التي شهدها هذا المكان -الناحية الجغرافية التاريخية .

 

وقد فاق الجانب اللغوي الجانب الجغرافي في أجزاء كثيرة من الكتاب ، ولعلَّ ذلك راجع إلى نشأته اللغوية وتشبعه منها ، مع كونه لم يكن عربيًّا ، كما نلاحظ أن اللغة غلبت كذلك على وصفه الجغرافي في أحيان كثيرة . كما نلاحظ أن ياقوت ألف كتابه على حروف المعجم ، ولكنه يضطر -إذا نقصت بعض المعلومات- إلى إغفال ذكر عدد من التفاصيل ، غير أن هذا المعجم رغم ذلك من أفضل مصادر المعلومات التي نملكها ، خاصة إذا عرفنا أنه لا يقتصر على وصف الأماكن الواقعة في جزيرة العرب ، بل يشتمل على وصف كل العالم الذي عرفه المسلمون . ويتميز ياقوت الحموي عن الكثير من المؤلفين من أبناء عصره بملكة النقد ، التي تظهر عندما يروي بعض الأساطير الذائعة في عصره ، وفي حكمه على تلك الأساطير والتعليل لها .

 

فيقول ياقوت عن مادة (جاسك) : ‘جاسك بفتح السين المهملة، وآخره كاف: جزيرة كبيرة بين جزيرة قيس -هي المعروفة بكيش- وعُمان قبالة مدينة هرمز ، بينها وبين قيس ثلاثة أيام ، وفيها مساكن وعمارات ، يسكنها جند ملك جزيرة قيس ، وهم رجال أجلاد أَكْفاء ، لهم صبر وخبرة بالحرب في البحر وعلاجٌ للسفن والمراكب ليس لغيرهم ، وسمعت غير واحد من جزيرة قيس يقول : أُهدي إلى بعض الملوك جوارٍ من الهند في مراكب ، فرفأت تلك المراكب إلى هذه الجزيرة ، فخرجت الجواري يتفسَّحنَ ، فاختطفهنَّ الجنُّ وافترشهنَّ فولدن هؤلاء الذين بها .

 

يقولون هذا لِمَا يرون فيهم من الجَلَدِ الذي يعجز عنه غيرهم ، ولقد حُدِّثْتُ أن الرجل منهم يسبح في البحر أيامًا ، وأنه يجالد بالسيف وهو يسبح مجالدة من هو على الأرض’ . ويُعتبر كتابه ‘معجم البلدان’ موسوعة جغرافية كبيرة، فقد جمع فيه ياقوت الحموي كل ما يتعلق بما يؤرخ له ، من التاريخ والأخبار ووصف الأقاليم ، ويذكر عظماء البلدة وشعراءها ورجال الدين فيها ، كما يحاول ذِكْرَ سني ولادتهم ووفاتهم ، فكان كتابًا فريدًا في بابه ونظمه ، وقد ألفه على حروف الهجاء .

 

ويجدر بنا أن نقدم بعضا من النماذج التي أوردها ياقوت الحموي في كتابة ؛ لندلل على عمق النظرة وبلاغة الوصف ودقة التعبير وسعة العلم والفقه ، يقول في باب الهمزة والألف وما يليها:’ آبر بفتح الهمزة وسكون الألف وضم الباء الموحدة وراء ، قرية من قرى سجستان ينسب إليها أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الآبري شيخ من أئمة الحديث ، له كتاب نفيس كبير في أخبار الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه ، أجاد فيه كل الإجادة ، وكان رحل إلى مصر والشام والحجاز والعراق وخراسان ، وكان يعد في الحفاظ، وذكر الفراء أنه توفي في رجب سنة 363 هـ’ .

 

ويقول في باب الميم والصاد وما يليها : المصانع كأنه جمع مصنع قال المفسرون في قوله تعالى : {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 129] . المصانع الأبنية وقال بعضهم : هي أحباس تتخذ للماء واحدها مصنعة ومصنع ويقال للقصور أيضا مصانع’ . ويقول في باب الياء والحاء وما يليها : ‘ يحصب من حصب يحصب والحصب في لغة أهل اليمن الحطب فهو مثل حطب يحطب إذا جمع الحطب ، وأما من الحصباء فهي الحجارة الصغار فهو حصب يحصب حصبا بكسر الصاد’ .

ومن باب الباء مع الياء يقول : ‘ومن أشهر أئمتهم الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي ، وهو الإمام الحافظ الفقيه في أصول الدين الورع أوحد الدهر في الحفظ والإتقان مع الدين المتين من أجل أصحاب أبي عبد الله الحاكم والمكثرين عنه ثم فاقه في فنون من العلم تفرد بها’ .

اترك رد